الشيخ محمد هادي معرفة

291

تلخيص التمهيد

فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ » « 1 » . فقد شبّه صَلابة الإيمان بزرع نمىفقوى ، فخرج فرخه من قوته وخصوبته ، فاشتدّ واستغلظ الزرع ، وضخمت ساقه وامتلأت ، فاستوى وازدهر . الأمر الذي يبعث على الابتهاج والإعجاب من جهة ، وإغاظة الكفّار من جهة أخرى . وقوله تعالى : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا » « 2 » . قال الزمخشري : يجوز أن يكون تمثيلًا ، لا ستظهاره به ووثوقه بحمايته ، بامتساك المتدلّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه . فقد شبّهت عرى الدين بوشائج وثيقة تربط الامّة بعضها ببعض ، فكأنّ الشريعة المقدّسة حبل ممدود على طرف مهواة سحيقة ، والامّة المتماسكة مستوثقون بعراها استيثاقاً يأمن جانبهم من أخطار السقوط وينجيهم من مهاوي الضلال . قال الجرجاني : وإن كان ذمّاً كان مسّه أوجع وميسه ألذع ، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ كما جاء في قوله تعالى - في تصوير حالة من أوتي الهداية فرفضها لغيّه وانسلخ منها - : « فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ » « 3 » إنّه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع ، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللَّه آياته ويخلع عليه من فضله ويعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع . . . ولكن ، ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً ، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقّة ، ويتجرّد من الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويهبط من الأفق العالي إلى سافل الأَرض ، فيصبح غرضاً للشيطان ، لا وقاية ولا حمى ، وإذا هو ألعوبة أو كرة قدم تتقاذفة الأقدار ، لا إرادة له ولا اختيار ، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له ، ويلهث « 4 » من غير هدف ، ويتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه . وهكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ ولا يهتدي به بالحمار يحمل أسفاراً ، هي

--> ( 1 ) . الفتح : 29 . ( 2 ) . آل عمران : 103 . ( 3 ) . الأعراف : 176 . ( 4 ) . اللهث : دلع اللسان عطشت أو تعباً .